محمد متولي الشعراوي
6266
تفسير الشعراوى
ليؤكد صدق الأسوة ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لو لم يكن بشرا وطلب من الناس أن يفعلوا مثله لقالوا : لن نستطيع لأنك لست مثلنا . ولذلك نلحظ أن القرآن يؤكد على بشرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكنه صلّى اللّه عليه وسلّم يزيد عن البشر باصطفاء اللّه سبحانه له ؛ ليكون رسولا يوحى إليه ، فمهمته الرسالية الأولى أن يبلغ هذا الوحي ، والمهمة الثانية أن يؤكد بسلوكه أنه مقتنع بهذا الوحي ويطبّقه على نفسه . ويقول الحق سبحانه وتعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ « 1 » . . ( 21 ) [ الأحزاب ] وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من ناحية الثراء أقلّ الناس مالا ، وهو غير متكبر ، ولا جبّار ، وهو كنموذج سلوكى تتوازن فيه وبه كل الفضائل ؛ فلم يطلب لنفسه شيئا ، بل إنه منع أقاربه وأهله من حقوق أقرها لغيرهم من المسلمين ، فأقاربه لم يعطهم الحق في أن يرثوا شيئا مما يملكه بعد وفاته وقد حرمهم ؛ ليكون كل عمل صادر منه صلّى اللّه عليه وسلّم أو ممن ينتسبون بالقرابة إليه هو عمل خالص لوجه اللّه تعالى . وهذا السلوك هو عكس سلوك الرئاسات البشرية ، أو السلطات الزمنية ، فهذه الرئاسات أو تلك السلطات تفيض أول ما تفيض على نفسها بالخير ، ثم تفيضه على الدوائر القريبة منها حسب أقطار القرب ؛ فالقريب جدا يأخذ أولا وكثيرا ، ومن يبعد في القرابة يأخذ الأقل حسب درجة بعده .
--> ( 1 ) الأسوة والإسوة : القدوة . ويقال : ائتس به ، أي : اقتد به وكن مثله . قال الليث : فلان يأتسى بفلان ، أي : يرضى لنفسه ما رضيه ويقتدى به . وقال الهروي : تأسّى به : اتبع فعله واقتدى به . [ لسان العرب : مادة ( أس ا ) ] .